العاطفة والمعنى

 ( العاطفة والمعنى )

في حياتنا تتكرر علينا هذه العبارة ( إن الله ميزك عن باقي المخلوقات بالعقل ) فهل تكمن عبقرية ورقي الإنسان في دماغه فقط ؟ أم هناك شيء أكبر أو ربما جوانب خفية وغير مباشرة جعلتنا مناط التكليف والترابط بيننا ، أي أن القضية ليست في دماغ الإنسان فقط ، واعتماد الإنسان على ذكائه ، واعتماده على نفسه فقط ، وإن كان الدماغ مهماً أيضاً لكنه يظل نصف حقيقة في ظني المتواضع . فالإنسان ليس كائناً وظيفياً فقط عليه القيام بأدوار معينة في هذه الحياة ، ولربما كانت هناك جوانب خفية ومشتركة تكون قابعة في وجدان كل منّا . ربما هذا الشيء  هو ما جعلنا بهذا الرقي ، والأصالة ، وغرس في داخلنا هذا الحب الشامل لكل ما فيه روح وحيوية على هذه البسيطة .


فمحاولة إبراز دور العواطف وكأنها تقوم بدور وظيفي بيولوجي فقط ، يجعلنا نغفل عن أشياء راقية ، وأصيلة ، وسامية في داخل هذه العواطف ، ومع الأخذ بالإعتبار الدراسات التي تخص الدماغ وعلم الأعصاب ، وعلم الجينات وعلم النفس وغيرها ، لكن ماأريده ينبغي علينا التعامل مع الإنسان ليس فقط كونه ككائن وظيفي فقط عليه القيام بأدواره الواجبة في الحياة ، ويتم اختزال الخبرة الحياتية التي يمر بها الفرد بمعزل كبير عن الطبيعة الإنسانية ، ونهمل الجوانب الدلالية ، والصيغ الروحية لدى الإنسان . ونتعامل مع الحياة من خلال المشاعر فقط . أي وفق ما تقتضيه هذه الحياة من مهام وظيفية سواء كانت هذه مهام عملية أو اجتماعية أو حتى رياضية فأنت مرهون بهذا الدور الوظيفي الذي عليك تأديته ، ومن ثم أصبح لدينا رصيد وافر من المشاعر التي علينا استهلاكها ، والتخلص من عبء هذه المشاعر بالنهم ، سواء في الأكل ، أو متابعة أفلام ومسلسلات ، فالنهم ربما وصل إلى الأنشطة الرياضية للقيام بدورها الوظيفي من أجل المحافظة على الجسد ،  وعلى صحة هذه الأعضاء سليمة دائماً ، وفي نشاط دائم ، فنحن تعودنا على التفاعل بمشاعر مع الجميع سواء في محيطنا الاجتماعي ، أو على مستوى زملاء العمل وغيرهم فنحن لازلنا على ضفاف العاطفة ولم نصل إلى عمقها .


فالعاطفة لاتقبل الاستعمال ، أو تظهر كشيء ثانوي يستعمل إنما تتدفق كشعور أصيل وصافي ، وعليه أن تعبُر من خلالك بصدق حقيقي ، فهي تتجلى من خلالنا كصيغة روحية ، أو دلالية روحية من خلال العاطفة . فهذه الصيغة العاطفية تُضفي على الأشياء التي تلامسها شيئاً من الرقة ، ومن الحيوية وهذا الإضفاء لا يصنع بداخل الجسم فقط وكأننا كائنات صماء ؛ بل يحتاج إلى موضوع أو خبرة إنسانية كي تتفاعل معها هذه العاطفه ، ومن ثم تتجلى ، وتسمو ، وتضيف على هذه الخبرة أو الموضوع شيء من المعنى والغاية فالعاطفة تحتاج لهذه التجاوزية المتعدية للآخر كي تتفاعل معه وتنمو من خلاله لتؤسس منى ورابط اجتماعي أصيل لهذه الخبرة الإنسانية ، ومن تستقر بالوجدان هذا الاستقرار يسمح لها بالتشكل في ذاكرتنا .


أما الحياة الحديثة فهي تتعامل مع موضوع العواطف كشيء ثانوي نتكأ عليه على أساس الواجب في محاولة استعمال المشاعر لأداء مهامنا الحياتية ، فالفارق الكبير بين المشاعر والعواطف جوهري ومحوري ، فالمشاعر تسمح لنا في هذا التعاطي السطحي مع الأشياء فهي تريد هذه السرعة وهذا الاستعمال وهذا الإفراط في الاستعمال كي يصل الإنسان بسرعة متناهية إلى تجديد مشاعره بإستمرار . ومن ثم تظهر علينا علامات الملل ويصبح الملل هو المفرز الحديث في أي نشاط إنساني كونه يحتاج إلى هذا الإفراط وهذه السرعة في التلاشي ، على عكس العواطف فهي تحتاج إلى هذه التشاركية ، وهذا الاستقرار كي تحمل في داخلها هذه الغايات ، وهذه المعاني ، وهذه الدلالات  

وكي تضيف بعداً حيوياً وفاعلاً لهذا الموضوع . فالعاطفة : شيء متجاوز فنحن ننقل من خلالها إلى الدلالة والمعنى والغايات وتضع رابطاً عميقاً للخبرة الإنسانية فهي تظل عالقة في ذاكرتنا ، ونحن نضفي على هذه العواطف ، والمعاني ، والغايات ، والمضامين . وهذه العاطفة تحمي روابطنا الاجتماعية من التآكل بسبب مشاغل الحياة ، ورتمها السريع ؛ فهي تحفظ الود للصديق والأخ والقريب وتبرز من دور  قيم والوفاء والرحمة داخل المجتمع الواحد ، فالعاطفة لها بُعدٌ ثقافي ودلالات ثقافية تختلف من مجتمع لآخر أو نوع هذه العاطفة كنوع من الهوية وقد لا تتوفر في مجتمع آخر ، فنستشعر روح الانتماء والتعاون لمجتمع أكبر ، وتضفي الأمان على الشخص من خلال هذا الانتماء لمجتمع أكبر من ذاته ، فالعاطفه حتى في وقتنا الحاضر عامل منقذ لأواصرنا الاجتماعية من خلال التعاطف والتفهم فيما بيننا . فالعاطفة تقف دائماً في وجه المعاناة والألم فنحن نحشد طاقتنا للوقوف مع الشخص المتألم ، والتآزر فيما بيننا كي نطمئن بعضنا البعض وحتى الإنسان المتألم يطمئن ألمه ، وتطمئن روحه ، هذا الاحتواء ، وهذا التفهم فيما بيننا يشير دائماً أن هناك رسالة شافية أننا كلنا معك ، وأنا نفهم ألمك فنحن جميعاً قد نقع تحت وطأة هذه المعاناة ، فالتآزر فيما بيننا يحمينا من ثقل وسطوة هذه المعاناة ، فالمعاناة توحدنا ، وقد نسند بعضنا البعض ضد هذه اللحظات العاصفة ، وبهذا الدور الحقيقي يبرز دور العاطفة ، والقيمة الحقيقية للعاطفة التي تنقذ حياتنا الاجتماعية من التآكل للعبور من هذه الحياة بأمان ، وهي إحدى الفنون الراقية التي تؤسس للأصالة ، والشعور بالانتماء ، وتجسد الشعور الحقيقي بالأمان ، والعيش بثراء حقيقي في هذه الحياة .


عبدالله الحماد 

‏alhamad_am1

٢٩ / ٢٠٢٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفسير اللاشعور من منظور إنساني

الألم والمعنى