ماذا عن تجاربنا ؟
ماذا عن تجاربنا .. ؟
نتساءل دائماً أين تذهب ثمرة تجاربنا وتجارب الآخرين في هذه الحياة ؟
هل هي تذهب وتتبخر مع الريح لعدم مبالاتِنا بها،
أم أننا نقع ضحية فهمنا الخاطىء لها عندما لا نُدرك معناها والتوجّه السليم للتعامل معها ؟
لماذا لا ننتبه لها ونحاول إعادة صياغة فهمنا لها بشكل واضح ومفهوم وبلغة مفهومة.
ليس بالضرورة لكي نُمرّرها ونستعرض بها أمام الآخرين وإنما لكي نفهم نحن شخصياً ماالذي يحدث لنا وكيف يمكننا التعامل معه بشكل سديد وسليم وبأقل الضرر المتوقع حصوله.
في أحيان كثيرة نعتقد خاطئين أنّ بعض التجارب هي مصير حتمي لا يمكننا مواجهته بشكل إيجابي ولا حتى تغيير نتائجه السلبية علينا ولا حتى الاستفادة منها لصالحنا !
فتجدنا نقع ضحية لهذا الاعتقاد الباطل وهذا الفهم السقيم فـ يفوتنا الشيء الكثير الذي لطالما كُنا ننشده من هذه التجارب التي حلّت بِنا.
التجارب التي من خلالها نفهم قدراتنا، كفاءتنا، مميزاتنا وعيوبنا. هي المجهر لمعرفة أنفسنا بشكل دقيق وواضح.
وهي المُعلم الذي يجعلنا نتقدم ونُصبح أكثر مهارة في كثير من الأمور.
إذاً أمام تجاربنا كل ما نحتاجه هو تقبلها أولاً وبأنها جزء لا يتجزأ من مسيرة الحياة والتعامل معها بشكل سليم ثانياً دون الهروب الذي يُضعف من شخصيتنا ويُضعف الإيجابية المتوقعة من خوض تلك التجارب
ودون التذمر كذلك الذي يشوش علينا فهمها وفهم إمكانياتنا وقدراتنا التي لا تظهر إلا أمام تلك التجارب الحية.
بعض الأحيان نريد فقط الوقوف والتأمل كي نحاول إعادة صياغة هذه التجارب ونريد هذا الربط المنطقي كي نفهم مالذي يدور حولنا وما الذي يدور في داخلنا وكيف وصلنا إلى هنا .
بل احياناً قد نستشعر الظلم في دواخلنا ونذوق المرارة مرات عدة من تكرار بعض التجارب معنا وحصول ذات النتيجة والأثر المؤذي في كل تجربة.
ولو أننا تأملنا قليلاً لرأينا أن بعض التجارب وسَّعت من مداركنا ولم نعد كما كنا في السابق وأصبحت هذه التجارب أخف وقعاً علينا وأكثر فائدة لنا.
(هرمان هسه) في كتابه
" سدهارتا " يخاطب صديقه( جوفندا ) فيقول له:
(بعد أن خاض تجربة الإغتراب عن أهله وزوجته وطفله)
" أنا خضت هذه التجربة على جسدي وروحي كنت بحاجة ماسة للخوف، للإحتقار، للشغف، للغرور
بحاجة ماسة لأكثر حالات اليأس من أجل أن أتعلم كيف لا أقاوم و أسلم نفسي
من أجل أن أتعلم كيف أحب العالم حتى أتوقف عن مقارنته بعالم آخر لطالما رغبت العيش فيه
عالم متخيل، شيء من الكمال اصطنعته بمخيلتي لكن إن تركته كما هو؛ أحبه كما هو واستمتع بكونك جزء منه"
أحياناً نحتاج هذا التصالح والقبول لتجاربنا
أيًّا تكن هذه التجربة كي نوقف هذا الصوت المُلِح الذي يضطرنا بالهروب من أنفسنا . إقترح " نيتشة "
طريقة رائعة للتعامل مع المعاناة والتجارب التي تحدث لنا مع ما فيها من معاناة وهو أن نقول نعم رغم كل ما يعترضنا ويجرحنا أو يرعبنا ،
إنها نعم مقدسة فهي إقرار مطلق لحب المصير حب مايجري لنا. ويقول أيضاً:
لنتخيل حياتنا مثل ما عشنا أقل تفصيل فيها بمشاكلها ذاتها بالأفراح نفسها، باللقاءات عينها ،والأمراض عينها ،تحدث من جديد وإلى الأبد ولو كنا في إقرار حقيقي لقبول حياتنا والتصالح معها أيًّا كان مصدر هذه الحياة " .
إشكالية بعض أو الكثير من التجارب أننا لا نعرف قيمتها إلا إذا قررنا هذا التصالح والقبول لتجاربنا عندها نستطيع معرفة وفهم مامرنا به ، فهذا القبول يجعلنا نفهم صياغة قصتنا وجعلها مفهومة لدينا ! الإشكالية أحياناً نحن لانختار بعض التجارب أو الأغلب كل التجارب تحدث معنا ، فنحن لانختار هذه التجارب وكما يقول كارل يونغ " أن الأمل والبصيرة هي إنجازات للجهد البشري التي هي من هبات النعمة الكثيرة جداً فنحن لا نعلمها ولانتعلمها ولانعطيها ولانأخذها لأنها تأتي مع التجربة وهي شئ مُعطى ولذلك لا تقع في متناول النزوة البشرية بل تحدث معنا " .
أيّ بمعنى أننا نختلف إختلافاً كبيراً في تعاطينا مع التجارب الإنسانية فكل شخص في الحياة له آمال وتطلعات وأهداف مختلف عن الآخر . أحياناً تجربتي لا تعني للآخر شيئاً، وتجارب الآخرين قد لا تكون من نطاق أولوياتي وهلمَّ جرَّا .
فالقضية إذاً تكمن في أننا كائنات مسؤولة لحمل ما يصادفنا من تجارب وكون القضية مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بحياة الفرد نفسه .
وكما يقول " فيكتور فرانكل "
أن التأكيد على الإلتزام بالمسؤولية هو جزء لا يتجزأ من وجودنا وهو ينعكس بالضرورة المُلحّة علينا
وهذا يتمثل في العبارة التالية( و هكذا تعيش بالفعل للمرة الثانية وكما أنك قد عملت على نحو خاطئ في المرة الأولى مثلما تفعل الآن ولا يوجد شيء يستطيع أن يستثير إحساس الفرد بالإلتزام أكثر
هذا المبدأ الذي يدعو إلى أن نتخيل أولاً أن الحاضر ماضٍ وثانياً أن هذا الماضي ربما يخضع للتحسين على أية حال " إذاً المسؤولية محصورة على عاتقنا
هذه المسؤولية تحتاج قرار مِنا لقبول تجاربنا السابقة ومحاولة إعادة صياغتها وفهمها فهمًا حقيقياً وأيضاً محاولة التعامل مع التجارب القادمة بذهنية أكثر إنفتاحاً أي أن هذه التجارب هي من تصقلنا وتمدنا بالبصيرة ، إن قررّنا نحن الإستفادة منها .
عبدالله محمد الحماد
alhamadam1
٢٦ / ١٠ / ٢٠٢١
تعليقات
إرسال تعليق