اعرف نفسك
“اعرف نفسك “
اعرف نفسك
كلمتان للفيلسوف اليوناني "سقراط" شكَّلتا مقولة خالدة تؤثِّر في النفسِ وتدعوها للتأمُّل،
تثيران الأسئلة حول النفس البشريّة وماهيتها المُعقّدة والمُركّبة: هل هي حقيقة بالغة التعقيد للحدِّ الذي يجعل الإنسانُ يواجه صعوبةً بالوصول إليها؟ وهل جميعنا نعاني من عدم القدرة إلى الوصول للنفس ومعرفتها على حقيقتها؟ أم أننا في الأصلِ نخاف من الدخول إلى أعماقنا ونتجنّب ذلك حتّى لا نكون في مواجهتها أي "النفس"؟ هل فكرة المجهول مرعبة لدرجة أنّنا صنفنا النفسَ بأنّها شيء مجهول وصامت وغامض ومرعبٌ أمرُ اقتحامِه؟
أتساءل كثيرًا: لماذا لا يكون الإنسان على حقيقته ويكفي نفسه عناء التصنّع؟
الضعف سمة من سمات النفس البشريّة سواء اعترفنا بذلك أم أنكرناه، وأعتقد أنّنا كلنا نسعى لإخفاء هذه السّمة، نريد أن نكون في صورة قويّة ظاهرة للعيان لأنّنا من خلال الصورة النمطيّة السائدة؛ نعتقد أنَّ القوة جاذبة للعلاقات ومقياسٌ للكفاءة، وأن الضعفَ منفّرٌ ومقياسٌ لعدم الأهليّة. إذن نحن نقدر على اتخاذ القرار بأن نكون على حقيقتنا، ولكنَّ الصعوبةَ بمقدرتنا على تنفيذ هذا القرار، فمن منا يريد أن يرى نفسه مجرّدة ومنعكسةً على سلوكه وتصرفاته كما هي أمامه؟
نحن لا نخفي حقيقة ما في دواخلنا، ونُظهِر جوانبَ غير حقيقة وغير مريحة من باب الكذب؛ بل نحاول في كثير من الأحايين من خلال ذلك التصالح قدر المستطاع مع هذه الجوانب غير المريحة وغير الحقيقية فينا، ولا نرغب باطِّلاع أحدٍ عليها حتّى لا نكون عاجزين عن مواجهتها وحسمها، ونلحظ أنَّ البعضَ يفضّل الكبت الذي يودي به في نهاية المطاف إلى العزلة حتّى لا يطّلع أحد ما على ما يخفيه في داخله.
تابعت لقاء لكارل يونغ وسُئل عن النفس وقال ": "إنّني فهمت هذه النفس مرارًا وتكرارًا، سمها ما شئت النفس أو الروح لكن المطلوب هو التعرّف عليها."
معرفةُ النفس بالنسبة لي تعني أن تحاولَ جاهدًا معرفةَ مكامنِ القوة في نفسك، ومعرفةَ مكامن الضعف فيها أيضًا، وفهم ماهيّة حدودك البشريّة. هذا الأمر أعتقد أنّه كفيلٌ بجعلنا نتصالح مع إخفاقاتنا، ومع أكثر الحالات يأسًا في حياتنا؛ لأنَّنا نستطيعُ العودةَ والمحاولة من جديد عند تعرضنا لمواقفَ مربكةٍ طالما فهمنا وعرفنا هذه النفس، من ثمّ يحدثُ التصالحُ مع ضعفنا وأشيائنا المهملة وغير المعترف فيها. هذه المعرفة تعطينا معرفةً وفهمًا أوليًّا قد يقودنا إلى التعرِّف أكثر إلى هذه النفس والتعمُّقِ فيها بكل أريحيّة، ومعرفة ما الذي يناسبنا -فعلًا وقولًا- وما الذي لا يناسبنا وهكذا.
اعتقادُك أنَّ النفسَ هي عبارةٌ عن نقطة وصولٍ نصلُ إليها برأيي هو اعتقاد خاطئ، لأنَّها اكتشاف نحاول قدرَ المستطاعِ استنطاقَه من خلال التجارب، ونحن بدورنا نحاول الإصغاءَ لها ومعرفةَ مكامن القوة والضعف فيها، ومعرفة حدودها من خلال عمليّة تواصل ذاتيّة تحدث دون ترتيب زماني؛ أو مكاني بل تجيءُ وفقَ الأحداث التي تسيّرنا. لذا يؤمن إريك فروم “أن طبيعةَ الإنسان هي تناقضٌ متأصّل في ظروف الوجود الإنساني؛ يتطلّبُ هذا التناقضُ البحثَ عن حلول وهذه الحلول تخلقُ بدورها متناقضاتٍ جديدةً وبالتالي تحتاج إلى الاستمرار في البحث عن حلول، وإن كانت هذه الحلول الخاصّة بهذه المتناقضات يمكنها بالفعل أن تفي بالشروط اللازمة؛ لمساعدة الانسان في قهر احساسه بالعزلة، وتحقيق الإحساس بالتوافق والاتحاد والانتماء”
هل عليَّ تغيير نفسي من أجل الوصول إلى ذاتي؟
في ظلِّ موجات التغيير والتطويرِ سواء في المجالين المهني أو الذاتي؛ نسمعُ عباراتٍ كثيرة تطالبنا بتغيير أنفسنا. على سبيل المثال لا الحصر: عليك بتطوير نفسك، وأنَّ التغييرَ هو الثابت الوحيد في الحياة. وعليه نجد أنفسنا بأنَّنا مطالبونَ بالتغيير إن كنّا بحاجته، فكلنا يريد التغيير الذي يتوافق مع قيمنا وأولوياتنا في الحياة، هذه المطالبات وكأنّها تقول لنا: إن أردت معرفة ذاتك حاول أن تتغيّر وتغيّر كلَّ شيء حولك، وإنَّ هذا التغيير سيعرفك على نفسك أكثر من خلال موقعك الحالي، أو حاول تغيير قصتك عندها حتمًا ستتغيّر حياتك. بالنسبة لي معرفة النفس تعني عدمَ تنكّركَ لماضيك، وأن تحاول قدر المستطاع الاعتراف به والتصالح معه أيًّا كان هذا الماضي. أعرف أحيانًا أن هذا الأمرَ ثقيلٌ على النفس، وغيرُ مستساغ لكنّه يستحقّ العناء، فحينما نقول: حاول أن تتصالحَ مع ماضيك واعترف به، وحاول أن تتفهمه؛ ليس الغرض من ذلك عدم الاهتمام به، أو إهماله لأن هذا الماضي داخلٌ في كياننا ومتجذّرٌ فينا، فالقضية هي قضيةُ اعترافٍ وتصالحٍ يجعلانه مفهومًا بالمعنى فقط، وكما تقول "هربرت فينقارت: "إنَّ البصيرةَ لا تكشف عن واقعٍ خفي من الماضي، إنَّها إعادة تنظيم لمعنى خبرة الحاضر وإعادة توجيه الحاضر نحو كلٍّ مِن المستقبل والماضي"، فالقضية هي في تنظيم المعنى وفهمه وليست في إهمالِه وعدمِ الاعتراف به والاكتراث له.
لكن كيف أحاولُ معرفةَ نفسي؟
مقتنعٌ قناعةً تامّة أنَّ لكلِّ إنسان في الحياة وجودَه الخاص به، وأنماطَه الخاصةِ به، ونمط تفكيره الخاص به مما يجعله مختلفًا عنَّي اختلافًا كبيرًا، وعلينا أن نحاول قدر المستطاع احترام هذا الاختلاف الذي بيننا كوننا من بيئات مختلفة؛ لا على مستوى التنشئة ولا على مستوى النمو وغيره فهناك اختلافٌ كبيرٌ؛ وكما يقول إبراهام ماسلو: "فليس هناك فرد في جوهره الأساسي ممكن مقارنته بأي شخص آخر"، ولذا فإن مُثلَه الخاصة وطابعَه الخاص ومسارَ نموّه ينبغي أن يكون فريدًا كذلك، فهدفه ينبغي أن ينشأ من طبيعته الخاصة، ولا يختار بالمقارنة أو المنافسة مع الآخرين، ومهمة كل إنسان هي أن يصير على أفضل صورة تؤهلُهُ لها ذاتُه، فينبغي ألّا يحاولَ شخصٌ أن يكون مثلَ أيِّ نموذجٍ مُعطى مسبقًا، أو أيّ بطل آخرَ إنّما ينبغي أن يكون هذا الشخصُ أفضلَ ما عليه في العالم، وذلك بما يفعله وبقدْرِ ما هو ضروري _أيّ الفعل_ وممكن. وهنا لن يكون له منافسونَ، ولذا علينا قدر المستطاع أن نحاول العودة للماضي، ومعرفة طرق تنشئتنا وطرقِ التربية التي مررنا بها، وأنماطِ التفكير التي تفكر بها، وتاريخنا الطويل الذي أوصلنا إلى هنا الآن، فهذا الرجوعُ المقصدُ منهُ معرفةُ ما الذي علينا تقويته في شخصياتنا! وما هو ذاك الشيء الذي يحتاج منا قبوله والاعتراف به؟! ولأنَّ هذه المرحلة مرحلةٌ مهملة في حياتنا فلا نريد الذهابَ إليها أو زيارتها؛ لأنَّها تذكِّرنا كثيرًا بأشياءَ حاولنا إخفاءها قدرَ المستطاع، بأشياءَ جارحةٍ حاولنا كتمها وكبتها وعدمَ الاعتراف بها.
ميشيل لكروا يعتقد أنَّ "الكبتَ لا يُلغي المشاعرَ بل يحوِّلها إلى اللاوعي، واللاوعي هو ببساطة مجموعةُ المشاعر التي نمتنعُ عن التعبير عنها، فنعجز فيما بعد عن الإحساس بها". هذا الرجوع يجعلنا نفهم كيف أتينا إلى هنا ووصلنا إلى هنا! هذا الاعتراف وهذا التصالح يجعلنا جديرين بحمل قصتنا، ومسؤوليتنا تجاه حياتنا التي قد تحتاج لإصلاح أو تحسين في صياغة معنى مفهوم من الماضي ومحاولة فهمه؛ وبعدها نذهب بأنفسنا إلى المستقبل بعدما عرفنا وفهمنا ما هو قويٌ عندنا، و ما هو الشيءُ الضعيف وغير المريح! فحاولنا كبتَه وكافحنَا من أجل عدم الاعتراف به، ومحاولةِ الاعتراف قدرِ المستطاع والتصالح بجوانبنا غير المريحة بالنسبة لنا، وقبولها والاعتراف بها، والتصالح مع بشريّتنا، وضعفنا ومن ثم حدودنا البشرية، ومعرفة ما الذي يناسبنا من أهداف وغايات نابعة من قيمنا ومن ذاتنا الحقيقية التي عرفناها تمام المعرفة! وتصالحنا معها؛ عندها نستطيع الذهاب بها بكل أريحية نابعة من وجودنا وتجربتنا الخاصة.
"اعرف نفسك" لأنَّ معرفتَك لها وسبرَكَ أعماقِها وتفاهمَك مع كلِّ نقاطها السوداء، وتماهيكَ مع ماضيك بضعفهِ وانتكاساتهِ وثغراتهِ وزلازله يجعلكَ أقوى، فَمَن فهِمَ مواطنَ الضعفِ المكتومة عرفَ بأنَّها قوةٌ مُعلَنة.
عبدالله محمد الحماد
alhamadam1
١١ / ١١ / ٢٠٢١
مقال جميل . ليتك تحدثنا عن شفق الحياة ، ولما الناس تشتكي من فقادانه اليوم مع كل هذا التطور في الملهياة . في السابق كنا ننتظر مسلسل حلقة كل اسبوع بشغف . اليوم المسلسل تستطيع مشاهدة كل حلقااته باي وقت يناسبك . اسئلة كثيرة ليتك تتطرق لها بمقال . شكرا لك
ردحذف