الأمل مسلَك حياةٍ

 الأمل مسلكَ حياةٍ

 بودي قبل الدخول في هذا المقال أن أُعطي لمحةً بسيطةً عن فكره البنى التكوينية ( Formative processes ) التي تحدث عنها إيريك فروم في أكثر من كتاب ، فهو يعتقد انه بعدما مارس العلاج النفسي لمدة 30 سنه عرف من خلالها فكره البنى التكوينية ويرى أن لهذه البنى وجوداً جوهرياً ومهماً في بناء شخصيته. ولهذا يقول "إنه ليس صحيحاً أن تُفسر درجات العصاب بمجرد أنها تتناسب مع ظروفٍ بيئيةٍ أو ظروفٍ وراثيةٍ معينةٍ". وهو يولي هذه البنى أهمية بالغة  لكونها تحمل في داخلها تصورات، ومفاهيم تشرح للإنسان مختلف وجوه هذه الحياة . ذلك أنّ الإنسان يستشعر من خلالها درجة نشاطه، ومقدار حيويّته في التعامل مع الحياة ، ومدى قدرته على الانسجام معها، ومدى تحمل مسؤولية وجوده. وبهذا، يعتقد فروم أن هذه البنى التكوينية  طبعٍ ( print ) في الإنسان . ويرى أنّها تشتمل على ثلاثة أشياءٍ رئيسةٍ هي  الأمل، والشجاعة، وحسن التعاون مع الآخرين. وقد تجتمع هذه الأشياء ومع الوراثة والبيئة، وقد تمثل قوة إلى حد ما في داخل الفرد ، وتكون له عاملاً مساعداً في بناءِ حياته بناء صحيحاً، وربما قد تتشوه لدى الإنسان وتهتز صورة البنى التكوينية بسبب كرب بعض الحوادث ووقعها الكبير على الشخص وقد لايحتمل هذا الكرب ، عندها من الممكن تصبح لدى الفرد ربماً تصوراً مشوهاً عن التصورات الكلية عن الحياة ، وعن الآخرين أيضاً ، وربما تتشوه علاقة الإنسان مع نفسه. فهذه البنى لا تمنع من وجود المنغصات أو العقبات ومن تأثير بعض الحوادث فيه. لكن الفارق ربما يكون في أن هذه البنى قد تخفف من وقع بعض هذه المنغصات في التأثير في داخله أو حتى في تصوراته الداخلية عن نفسه وعن حياته وعن الآخرين . لكن في المقابل تتواصل حيويته الداخلية ( Interior vitality ) تجاه حياته ، وقد تمتد تجاه الحياة بمجملها ، وقد تتواصل حيوية الحياة وتكون نابضة في داخله ، وهو يعرف أن البوصلة الآن لديه مشوشة ، ومرتبكة لكنها على الأغلب ستعود ، ويعاود المضي في تحسين حياته ، فهو يرى أن لديه مسؤولية تجاه حياته ، وقد تقصر الفترات أو تتقلص المساحات التي يستطيع التحرك من خلالها ، لكنه في المقابل يستمر في ما بعد في المحاولة  بوصفها جزءا من مسؤولياته تجاه نفسه، وقد تجعل هذه البنى الفرد محملاً بتصورات كبرى عن الحياة أنها لاتزال جيدة ، وحتى صورته تجاه نفسه ، وفي القدرة على الانفتاح أكثر على الآخرين ، والحيوية أكثر، ولربما تفيض هذه الحيوية على وجدان هذا الشخص ، وتصبح لديه القدرة على الإحساس بجذوة الحياة في داخله . هذه الحيوية الوجدانية ربما تحيي في وجدان هذا الشخص حب الحياة بصورة متسقة مع طبيعة الحياة بصورتها الطبيعية ، وذات نشاط عفوي ومنتج من خلال الفرد ، عندها قد ينتهج هذا الشخص هذا الاتساق، ويجد هذه الحيوية والعفوية مسلكاً حقيقاً في الحياة ، لكي يستطيع حب الحياة بشكلها العفوي ، وحب الآخرين على حقيقتهم النقية والحقيقية ، أملاً في تصعيد مشاعره ( His feelings ) من خلال هذه الأدوات ، وبهذا التصعيد لمشاعره Escalation of emotions تصعيداً سليماً ، ومتسقاً مع طبيعة هذه الحياة وحيويتها، وفي محاولات جادة في حسن التعاون مع الآخرين. فهو يبني على الأمل وهو المتكئ عليه في الانفتاح على مشاعره ، والانفتاح على الآخرين ، ومحاولة تصعيد هذه المشاعر إلى عاطفة ( Emotion ) أكبر ، ومسلك حياتي أكبر من غاية حياتنا، وغاية نبيلة في الحياة نستطيع التعاون مع الآخرين ، من خلال تفهم مواقفهم ، وتفهم وتعاطف ضعفهم ، واحترامهم وتقديرهم كي نزيح معا ثقل الحياة عن بعضنا البعض . ‏وفي هذه الحالة عند تصعيد الإنسان لمشاعره إلى عاطفة عليا في الحياة، تتضح لديه القيم العليا ، والغايات العليا ، والتصورات الكبرى في الحياة التي من خلالها يستطيع السير في هذه الحياة . وبهذا يتحقق هذا المسلك القائم على حب المرء لمصيره ، والانفتاح على الآخرين ومحاولة بناء المرء لحياته بناءً طبيعياً ، مع حدودك الذاتية ، ومتوافق فكرياً أيضاً مع من تراهم مناسبين لك في الأفكار والأخلاق، وأيضا محاولة مجاراة طبيعة الحياة ، وتكوين مسار يستوعب طبيعتك مع طبيعة الحياة بكافة تقلباتها ، أملاً في زرع وبناء حياة قد تكون متوافقة مع مسلكك في الحياة ، وتؤسس علاقة حيوية مع نفسك ذات طابع يغمره الحب سواء مع نفسك ، أو مع الآخرين، أو حب في الحياة بمجملها كمسلك وجداني يتخذه الإنسان طبعاً ومساراً يجعل هذا الفيض ينطلق من وجدانك  أملاً في بناء وتأصيل نظرة و أسس سليمة عن نفسك ، وتأسيس علاقات سليمة مع الآخرين غايتها التعاون معهم حتى نزيح عن أنفسنا جميعاً هذا الثقل في الحياة ، وطمعاً ورغبةً في حب الحياة كمسلك يفيض من خلالي. ‏


عبدالله الحماد 

‏alhamad_am1

٢٦ / ٦ / ٢٠٢٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفسير اللاشعور من منظور إنساني

العاطفة والمعنى

الألم والمعنى