معنى الحياة
معنى الحياة:
في حياتنا المعاصرةِ قد يتبادرُ هذا السؤالُ إلى أذهاننا بأكثرِ من صيغةٍ وشكل، فنتساءلُ مثلًا: ما هو المغزى من الحياة؟ أو ما هو الهدف النهائي لهذه الحياة؟ بيدَ أنَّ صاحبَ المعاناةِ، أو ذاكَ الذي ألمَّ بهِ مصابٌ أو كربٌ جسيمٌ قد يتبادرُ لذهنه سؤال لا يقلُّ أهميّةً عن الأول يتلخّص ب: هل لهذه الآلآم من معنى أو غاية؟ على الرغمِ مِن أنّه قد يدركُ جيّدًا أنَّ تحمّلَ هذه الآلآم والمصائب والاحتساب والصبر عليها قد تخفف عليه من وطأتِها. هذا وقد يتساءلُ الشخصُ الذي ولد في ظروف قاسية؛ أو وُجِدَ في بيئاتٍ فقيرة عن جدوى معاناته طالما أنها تفرضُ عليه أنواعًا شتى من الكفاح! ثم يدور تلقائيًّا في فلك أسئلة الكفاحِ التي قد تنتهي بأجوبةٍ تؤدي إلى الإقرار بالفشل، أو الإقرار بمواصلةِ الكفاح كجزءٍ من الحلّ أو الواقع الذي يريدُ له أن ينتهي نهايةً مُرضيةً عاجلًا أم آجلًا طالما أنه سعى لذلك.
أعتقد تمامًا أنَّ الوعيَ التام بمعنى الحياة وهدفها ومغزاها ضروريّ جدًّا؛ لما يترتبُ من تحمّل قسوة هذه وثقلها. وأعتقدُ أن تجريدَ الحياة من مغزاها أو من معنى وجودنا فيها ضمن عبثيّة التسليم للواقع لا تُحتمل، فأهميّةُ السعي خلفَ وجود مغزى وهدف لحياتِنا يُساعدنا في السعي المُنظّم لتحقيق غايات أسمى من أهداف بسيطة وسهلة؛ وتدفعُنا نحو مُهمّة تقتضي أن نتجاوزَ أنفسنَا ومحيطنا نحو أهدافٍ عظيمة، بل بإمكاننا نقل هذه المعرفة والمغزى لشخص آخر كي يشاركنا بتجاوز نفسه من خلالنا لبلوغِ التصالح مع الذات والمجتمع.
فيرى بعض الباحثين أن سؤال “معنى الحياة” يتضمن في الحقيقية خمسة أسئلة رئيسية :
الأول : لماذا وجدت أنا ؟ ولماذا وُجد الناس ؟ ولماذا وُجد أي شيئ عموماً ؟
الثاني : وهل لهذا الوجود من هدف ؟ وإذا كان له هدف فما طبيعته ؟ وما مصدره ؟
الثالث : هل أفعال الناس بحاجة إلى أن تؤسس على شيئٍ ما ؟ وإذا كان ذلك ضرورياً فما هو ؟
الرابع : لماذا يكتظ العالم بالألم والمعاناة ؟
الخامس : كيف ينتهي العالم ؟ وهل الموت الأبدي هو نهاية المطاف ؟ أم أن هناك عالماً آخر .
فإدراك مغزى الحياة حقيقةً قد تساعدُ على تحمّل ثقلِ تفاعل الإنسان مع محيطِه، وتدفعُه لتجاوز قسوة الحياة بخطى ثابتة؛ حتى وإن حاذته الإنكسارات والخيبات كجزءٍ لا يتجزء من طريق الحياة؛ إذ من غير الممكن أن تفهمَ مغزى الحياة ومعناها دون أن تعي تمامًا شكلها الجميل أو الحزين الذي تتسمُ فيه. فالآلام والانكسارات والمعاناة التي تخالجنا كنوع من الشعور ما هي إلا انعكاس ما من هالة الحياة ككل... التسليمُ بذلك يقودنا إلى شرحٍ سلسٍ قد يبدو في كثيرٍ من الأحيان عصيًّا على التجاوب معه ضمن محدودية فكرنا الإنساني المقيّد طالما قبلنا بذلك.
معنى الحياة في عالمنا المعاصر:
الغالبُ على الظنّ أنَّ كلَّ من يعيش في عالمنا المعاصر يدركُ أنَّ هناك أزمةً كبيرةً في التعاطي مع الحياة، أو مع معنى الحياة ومغزاها، وبناءً على هذا الانفتاح الكبير على العالم الخارجي، ومواكبتنا للتطور السريع الذي لا ينتظرُ أحدًا ضمن حياةٍ متسارعة؛ أصبح الإنسان المعاصر غيرَ آبهٍ بالتساؤلات حولَ المعنى والمغزى وموقعنا في الحياة؛ أو لم يعد لهذه الأسئلة الهامة من تواجدٍ في أذهاننا. قد يُعزى ذلك إلى أن الحياةَ برمّتها أصبحت متجدّدة ومتطوّرة ومليئةً على الدوام بأسئلةٍ قد تبدو أكثر أهميّة سواء تعلّقت بالجانب المعيشي البحث، أو بالخيالِ العلمي الذي باتَ مصدر إثارة وانبهار حين يُحرّض الشخص على خوض غمار كل تجربة جديدة بحثًاً عن شكليّات الحياة الظاهرة أكثر من كنهها. ناهيك أن الإنسان المعاصر لم يعد لديه الوقت الكافي للجلوس مع نفسه للتفكّر مليًّا وطرح أسئلةٍ قد لا يجد أجوبة سهلة أو مريحةً عليها، وهذا ما يقودُنا إلى الإنسان في الحقب الماضية الذي تمتازُ حياتُه برتمِها البطيء المتشابكة بأكملِها مع مَن حوله بحيثياتها وشؤونها وتطوّراتها. ولم يكن من المُستغرب حينها أن يكونَ الدين هو النواة الأساسية التي يستقي منها الإنسان معارفَه؛ خلافًا للغةِ العلم الآنية التي تمتلك المنطق المسيطر _لمَن أراد_ لإقناع الباحث والمتأمّلِ بأسرار الوجود؛ وتسخير هذا الاعتقاد المبني على نتائج حسابية علمية للتعاطي مع كافّة نواميس الحياة بشكلٍ أقرب للجفاف العاطفي منه إلى الروحانيات والانغراق في الماورائيات.
هذا المَنحى الوجودي برأيي لن يستطيع إيجاد إجابة كافية وشافيه عن مغزى الحياة ومفهومها الكلّي، وقد أتفق مع علي عزت بيغوفتش بقوله: <<إنَّ ظاهرة الحياة الداخلية للإنسان أو ظاهرة التسامي وهي ظاهرة ملازمة للإنسان؛ تظلُّ مستعصية على أي تفسير منطقي، حيث تقف مجاورةً للإنسان ومفارقة له في الوقت ذاته، ومن الواضح جدًّا أن الإنسان لم يستجب للعالم حوله بالطريقة العلمية كما يجب>>.
ولعلَّ هذا ما أوجَدَ لدينا الفردويةَ البحتة وتضخيمَ الذات، وتعاطي الأشخاص مع حياتهم بناء على نظرتهم القاصرة لأنفسهم بما يحملوه من فكر أو قوة أو موهبة؛ مما قوَّضَ بالكامل صحيّةَ التفكير الجمعي الذي يساعد الجميع على تبادل مفاهيهم للوصول إلى نتيجة فهمية واحدة متشابهة.
ولعلَّ بيغوفتش تنبّه فيما بعد لنقطة مهمّة متعلّقة بهذا الأمر حيث يقول: إن الأخلاق المادية تنطلق من المساواة بين الإنسان والمادة، وبهذا يصبح الهدف لكل منهما البقاء اعتمادًا على آليتهما الأساسية المعلّقة بالذكاء والقوة والدقة في العمل، وفي هذا الإطار المادي لا يمكن أن نتحدث إلا عن الفعل ورد الفعل كناتج وحيد للبقاء لا غير.
عبد الوهاب المسيري يقول في هذا الشأن: <<حينما نحاول تفسيرَ الإنسان من خلال النماذج الموضوعة فيه؛ نجد أننا نؤطّره بإطارٍ يحدُّ من قدراته، حيث إن الإنسان حينما يُحلل بشكلٍ بسيط ومادي يفقدُ جوهرَه الإنساني لأننا تعاملنا مع كمادةٍ بينما هو في الأصل ماهيّة يصعبُ وصفها>>. فلغة العلمِ الآنية تريدُ أن يكون هذا الإنسان خاليًا من الثنائياتِ المادية والروحية ناهيك عن تفريغهِ من المعرفة والتاريخ أيضًا؛ ووضعه في قوالب جاهزة يتساوى فيها جميع الناس؛ حتى إذا حدث خلل ما أُحيلَ إلى ضعف الإنسان وقلة اداركه فقط.
عن معنى الحياة:
ويبدو إن الإجابة عن سؤال المعنى أو المغزى من هذه الحياة هو من اختصاص الأديان لا العلم المتحضّر وأدواته؛ لأن للعلم حدود لا يستطيع تجاوزها مهما تطور. لذا كارل يونغ وتولستوي يتفقان على <<أنّه حينما نحاول الإجابة عن مغزى ومعنى لوجودنا لا يقتصر الأمر على معرفة ما الذي يقوله العلم بهذا الشأن؛ إنما علينا أيضًا معرفة كيف تعاملت البشرية بأكملها منذ مئات السنوات وتماهت مع مغزى هذا الوجود>>. وهذا ما دفعَ تولستوي بعد بحث طويل عن مغزى الحياة أن يقول: <<بدأتُ أدرك أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان تحتوي على أنقى ينابيع الحكمة البشرية؛ وأنه لا يجوز لي أن أرفضها لمجرّد تمرّد العقل عليها، فهي وحدها الكفيلة بحلّ قضية الحياة>>.
وقد نخطئ أحيانًا بتوجيه سؤال المعنى بصفة عامة للحياة، وهنا ربما تكمن الأزمة، فمعنى الحياة مُختلفٌ عليه من شخص لآخر، فكلٌ يكتشف من خلال تجربته الخاصة مفهومها. فوضع سؤال المعنى في عبارات عامة غير مجدٍ على الإطلاق. وكما يقول فيكتور فرانكل: <<إن لكل فرد في الحياة مهتَّته الخاصة، ورسالته الخاصة التي تعرض عليه مهامًّا محدودة؛ يقوم بتحقيقها وبناء على ذلك لا يمكن لأي شخص أن يحل محل شخص آخر>>. ووفق هذا فوجودنا ينبغي أن يكون متساميًا ومتجاوزًا ذواتنا ومصالحنا الشخصية؛ بل وأهدافنا وغاياتنا مما يدفعنا للتسليمِ والتأمّل بآلاء ربنا تبارك وتعالى؛ راجينَ منه القبول والتوفيق في هذه الحياة، فالسمو الإنساني مسألة روحية بامتياز، وقد يستطيع الإنسان الكشف عنها من خلال القبس المتسامي في داخله الذي ينيرُ حال اكتشافه كلَّ ما حوله.
إن هذه الحياة مشروعٌ يتجاوزنا نحو مشروع أكبر منا. ننجحُ فيه فقط عبر أواصر التعاون مع الآخرين الذين في دورهم يتعاونون ويترفّعون عن مصالحهم الشخصية الفردوية؛ نحو مصالحهم المشتركة مراعينَ قيم الشرع ومقاصده الواضحة. وكما يقول تولستوي أخيرًا: <<إن الدين هو الذي يؤسسُ العلاقةَ بين الإنسان والعالم الأبدي غير المحدود من جهة؛ وبين الإنسان وخالق هذا العالم ومصدره من جهة أخرى، فإن كان الدين هو الذي يؤسس لعلاقة الإنسان بالعالم، ويمنح الإنسان معنى لحياته، فالأخلاق تفسير لهذا النشاط الإنساني التي تنشأُ بدورها نتيجةً سعيدةً لهذه العلاقة>>. المطلوب منّا لا سيما في حياتنا المعاصرة هو الصبر على أقدار الله المؤلمة كي يُعيننا هذا الإيمان على تجاوز المحن والصعاب؛ إبتغاءً لمرضاته سبحانه، ونيل الجزاء والوعد في حياتنا الأخروية التي تمثّل دار الخلود والبقاء الحقيقية لا حياتنا على هذه الفانية.
عبدالله الحماد
alhamadam1
٢٠٢٢/٣/٥
معنى الحياة أن تحقق معنى كل يوم يجمع شتاتك، بين سوبرمان نيتشه وطمأنينة أبيقور ولاأدرية هكسلي لابد وأن هناك سردية تفسر هذا الملكوت، مقال جميل يا عبدالله.
ردحذف