تفسير اللاشعور من منظور إنساني
(تفسير اللاشعور من منظور إنساني)
في بداية هذا المقال مهم جداً إعطاء لمحة تاريخية لفكرة أو مفهوم اللاشعور (The Unconscious) ، واعترف حقيقةً إن إعطاء لمحة تاريخية لمفهوم ( اللاشعور ) قد تكون أكثر تفسيراً لفلسفة كل عالم من العالم كون فلسفة العالم النفسي مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بنظرته للعمليات اللاشعورية ( unconscious processes ) ، كوني لم أجد تعريفاً مجرداً لمفهوم ( اللاشعور ) إلا عندما يكون مرتبطاً بفلسفة كل عالم من العلماء ؛ فتعريف ( اللاشعور ) بالنسبة له يعبر عن وجهة نظره وطريقة وصفه ( للعمليات اللاشعورية ) التي تدل على وجود ( اللاشعور ) ، فهذه الطبقات أو المخزون من ( العمليات اللاشعورية ) قد تظهر معنا ونحن نسير في هذه الحياة عندما نتعرض لضغط أو كرب يستميل هذه ( العمليات اللاشعورية ) .
هذه (العمليات اللاشعورية) قد أثارت حفيظة عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد، في التركيز على عمل (اللاشعور) و (العمليات اللاشعورية) ودورها الكبير في الاضطرابات النفسية، وظل طيلة حياته يحاول اختراق هذا الطابع الدفاعي ( Defensive system ) ومحاولة إختراق هذا الطابع الدفاعي أو الوصول إليه من خلال أدواته كطبيب نفسي. هذه (العمليات اللاشعورية) تشير إلى وجود (حدث مكبوت) يعود إلى السنوات الأولى من حياة الفرد والتي يعتبرها أهم مرحلة عمرية، فكل ما يحدث في هذه المرحلة قد يخرج قسرًا بطريقة (لاشعوريةsubconscious ) ، رغماً عن الشخص في حياته اللاحقة أي مرحلة البلوغ ومابعدها، وبالتالي بعدها أعتمد هذه المفهوم أي مفهوم (اللاشعور) وحاول توسيع المفهوم فلسفياً في أواخر سبع سنوات حياته، فجعل مفهوم (اللاشعور) في أساسه هو بنية وهي ماهية وأصل الإنسان،فالطابع الإنساني في أساسه (العنف والقسوة) وأساس هذه البنية هي (الغرائز) Drives
وقد عارض هذا المفهوم علماء كثر. ككارل يونغ مثلاً الذي يعتقد (أن اللاشعور يتضمن ليست محتويات مكبوتة؛ بل كل المادة النفسية التي تقع تحت عتبة اللاشعور) * علم نفس الطفل / كارل يونغ. ص (١١٣) ويعتقد أيضاً قال في موضع آخر (أن السيرورات اللاشعورية التي تعرض الأنا تحتوي على كل تلك العناصر التي تكون ضرورية لأجل ضبط مركزية الذات) * جدلية الأنا واللاوعي / كارل يونغ. ص (١٠٣) فيشير كارل يونغ أن عدم التصالح مع المادة النفسية الكاملة ينشأ لدينا مفهوم (الظل The Shadow) الذي ربما يكون مفهوم (الهو id ) عند فرويد، ثم جاء جاك لاكان وأعتبر (أن اللاشعور مبني " كلغة " فالذات ليست نقطة؛ إنما هي نتاج بنية مركبة) * إنتصار الدين / جاك لاكان. ص (١١)
بعدها جاءت كارين هورني وخالفت كل هؤلاء في أن (اللاشعور) هو الماهية للطبيعة الإنسانية، فتقول (أنالست مع الإعتقاد الذي يعتقد بوجود صراع أساسي في داخل الشخصية الإنسانية قديم وله دور بارز في مختلف الأديان والفلسفات، فأنا أنطلق بمنطلقات مختلفة تماماً) * صراعاتنا الداخلية / كارين هورني. ص (٤٠). كونها تعتقد أن الإنسان أن الإنسان قد يواجه متناقضات تتصادم مع قيمه الإخلاقية، فدراسة العصاب في تطبيقه على هذه المتناقضات يتطلب إدخال القيم الإخلاقية؛ فتقول (أنفرويد نظر أن هذه القيم الأخلاقية دخلية على العلم) *صراعاتنا الداخلية / كارين هورني. ص (٤٢). لهذا هي تعتقد أن التجارب الباكرة في حياة الطفل مهمة جداً؛ لكن التطور العصابي قد يكون له تأثير على شخصية الفرد،بسبب التجارب اللاحقة في مرحلة المراهقة ومابعدها،لذلك هذه التناقضات قد تجعل الفرد عُرضة للعصاب،فالعصاب ( Neurosis ) بالنسبة لها هي الحالة الملحة والسلوك الملح التي يمارسه الشخص عند التفاعل مع الأشياء والآخرين.
وجاء إيريك فروم وخالف فرويد في وجهة نظر سيغموند فرويد وتفسيره تجاه (اللاشعور) فيعتقد فروم (أن تجربة الطفولة ذات أهمية؛ إلا من حيث هي إعادة تجربة تذكرها، وهي من ناحية ثانية تساعد معرفة الطفولة على الفهم الأيسر لما يجزي الآن؛ لأن المرء يستطيع على أسس نظرية أن ينشئ بعض الإفتراضات حول أوضاع الطفولة وما يمكن أن نتوقعه) * فن الإصغاء / إيريك فروم. ص (٨٤) لهذا يتفق إيريك فروم مع كارين هورني أن (اللاشعور) لاينشأ من أحداث الطفولة وحدها؛ بل أنها تستميله، فالسلوكيات الوقائية في عدم مواجهة العصاب واختراقه هي التي تطور (اللاشعور) و (الكبت) عندها تنشأ في داخل الفرد (العمليات اللاشعورية) بسبب (السلوكياتالوقائية) ويبدو أن كلاهما يعتقد أن (اللاشعور) هو شيئ شخصي، وليس المسبب لتكون (اللاشعور) هي أحداث الطفولة وحدها؛ إنما حتى الأحداث التي تصادفنا في مرحلتنا العمرية اللاحقة ربما تساهم في تطور العصاب.
يتضح هنا أن التحليل النفسي الكلاسيكي إعتمد على مفهوم أن (اللاشعور) هو بنية أساسية للطبيعة الإنسانية، وأن المحرك الأساس لهذه البنية هي (الغرائز) التي تعتبر المنهج التطوري هي مرجعيته ، لكن حينما نتحدث عن مفهوم وطابع إنساني ، فنحن نعتقد أن الإنسان في داخله عمليات تكوينية هي أساس هذا الفرد . هذه العمليات تعتمد عليها مدى شجاعتنا وتعاوننا مع الغير في تجاوز ذاتيتنا ، ربما هذه العمليات هي توجه مسلك العاطفة و سلوك الفرد وأفكاره وتصوراته ، و سلوكيات في الحياة هي التي تشكل لدينا (العمليات اللاشعورية) وهي التي تشكل لدينا بنية العواطف ، ونحن من خلال هذه السلوكيات نكبت بعض السلوكيات من أجل الشخصية بالكامل ومع مايناسبها من أفكار ومسالك؛ لكننا في المقابل نحن قد نحرر هذه العواطف في مجالات أخرى ، فهذه حيوية الطابع الإنساني يعيش هذا التناقض ، ويعيش هذه التدافع في العواطف بسبب صدامه مع منظوماته الثقافية أو الأخلاقية كي يجسد المعنى الحقيقي للحرية لديه ، ويحاول تجسيد شخصية انسانية حقيقية ،وناضجة لخدمة رسالتها في الحياة .
عبد الله الحماد.
٨ / ٧ / ٢٠٢٥
تعليقات
إرسال تعليق