كي تكونَ كاملاً
( كي تكونَ كاملًا)
بعد قراءة عتبة المقال -أي العنوان- قد يتبادر إلى ذهنك أنَّ القصد من الموضوع هو محاولة السَّعي وكيفيّة الوصول إلى الكمال؛ وقد يتبادر إلى ذهن الجميع أنَّ الكماليَّة أو النَّزعة إلى الكمال شيءٌ محمود، ولأنَّ الكماليَّة مرتبطة بالإتقان فكثيرون منَّا يعتقدون أنَّ بينهما إرتباطًا كبيرًا؛ بل على العكس فهناك فارق كبير: فالإتقان هو أن تعطي العمل الذي تريد إنجازه حقَّه من السّعي، وإن كان هناك أيِّ إخفاقٍ فعليك القبول به، كونه عرَّفك حدود مقدرتكَ البشريَّة، لذا فالنَّزعة الكماليَّة عبارة عن السّعي نحو المثاليَّة؛ بما تحتويه من معايير عالية جدًا، قد تتجاوز حدود الفرد فإن فشل هذا الشخص في هذا الشيء سيعتقد بأنّ الخلل فيه وليس بمعاييره العالية جداً والمجهدة لنفسه غالبًا.
فالمتصفين بالنزعة الكماليَّة لهم صفات محددة منها :
-الاهتمام بالتفاصيل.
-الاهتمام بالقواعد والقوانين.
-الخوف من الرفض والخطأ.
-الحساسيّة العالية تجاه النّقد.
-الجديّة وعدم ترك المساحة الكافية للاستمتاع بالحياة .
-يمتلكون عقليّة ضمن منطقي (الأبيض والأسود) إمّا الحصول على كل شيء أو لاشيء، لذا فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنّهم ليسوا جيّدين بالقدر الكافي؛ فمهما فعلوا يقدح في أذهانهم أن فعلهم يعتريه النّقص؛ فعُقدة النّقص متجذّرة في كيانهم.
أيضاً أنواع الكماليّة:
-هي كماليَّة موجَّهة نحو الذات.
-وكماليَّة موجَّهة نحو الآخرين.
-وكماليَّة مأخوذة من الآخرين وهذه الكماليَّة هي أشدّ أنواع الكمالية ضررًا.
قد تكون أسباب النّزعة الكماليَّة:
جاءت إليكَ بسبب حدثً مرَّرت بهِ في طفولتكَ المُبكِّرة، لربّما تعرضت لمشكلاتٍ حقيقيّة في تلك المرحلة أو أنَّك ترعرعتَ في أسرة يكثر فيها الانتقاد، ولا تقبل الخطأ فكانت باستمرار تقارن حالك بحال المقربين منك من الأصدقاء والأقارب، ليظهر نتيجة لذلك هذا الناقد دائمًا؛ ولأنَّك تظن أن الخلل والنقص متواجدٌ فيكَ حقيقيةً فقد رحتَ تبذلُ كلَّ ما في وسعكَ كي تُرضي طموحات والديك؛ وحينما كبرت تلاشى صوتُ والديك، ولعلّك نسيتَ انتقادات الأمّ والأب والأصدقاء وحتى من علّمكَ أو أشرف على تعليمك؛ فهذا يعني أنّ هذا الصوت المُلِح أصبحَ الآن في كيانِك وكلّما زادت حدّة هذا الصوت كلّما حاولت بشتَّى الطرق التفكير بالانجازات؛ لتقولَ في نفسك: سأصبحُ شخصًا ناجحًا وأحاولُ الرّدّ على كل هذه الأصوات الناقدة من خلال نجاحاتي وإنجازاتي؛ ومن ثمّ تحاول إشغال نفسك بالإنجازات والعمل والطموحات العالية كي تحاول إسكاتَ هذا الصوت الناقد الذي كسبناه من الطفوله ومحاولة الرَّد عليه بالإنجازات والنجاحات والطموحات العالية، وفي كلِّ مرحلة نصل إلى إنجاز معين قد لانرى له قيمة حقيقية توازي سعينا الحقيقي نحوه؛ أو حتّى التي اعتدت أن يراها الآخرون لأنَّ هذا الصوت الناقد المُلح يحجبُ عنّا الحقيقة، ويحجب عنّا حقيقتنا تمامًا، فجميع ما نحصل عليه قد لا نرى له أيّ قيمة حتى وإن صفّق له من حولنا، فهذا الصوت المُلِح يتمثّل دائمًا عند نجاحاتنا في صورة نقد لاذع موجّهٍ نحو ذواتنا؛ فنحن نسعى سعيًا جاهدًا كي نُسكِتَ هذا الصوت الناقد المُلِح ولأنّنا نريد أيضًا الرّد على كلِّ الأصوات النَّاقدة التي تتمثّل لنا دائما في سعينا نحو تحقيق ما نهدِفُ إليه؛ وهذا ما يؤيّده "الفريد آدلر" أنَّ النقص أساس الجهود البشريَّة ولكن الشعور بعقدة النقص أيضًا أساس المشاكل الخاصَّة لعدم التوافق النفساني؛ وإذا عجز الفرد عن إيجاد هدفٍ محسوس للتفوّق نشأ جراء هذا العجز عقدة نقص؛ وينشأ عن عقدة النقص هذه رغبة بالهرب يعبّر عنها الشخص بعقدة التفوّق.
الخزي والكماليَّة:
"رينية براون" ترى أن الكماليّة نظام معتقدات إدمانيّ مدمّر ببساطة؛ فلا يوجد هناك شيء كامل، فالكماليَّة تتمحور حول إدراك الآخرين ولأنَّنا بصورة ثابتة نتعرَّض للخزي والحكم واللوم فتقول في نفسك: إن هذا خطئي وأنا اشعر بهذه الطريقة « لأنني لست جيداً بالقدر الكافي» فكلّ من لديه هذه النّزعة الكماليّة سيكون هذا الصوت المُلِح موجود في كيانه على الدوام؛ وأنَّه « ليس جيدًا بالقدر الكافي» ومهما فعل من إنجاز ومهما وصل إلى إنجاز فهو يظنُّ إن فعله ناقص.
"برينيه بروان" أيضاً تعتقد أنّ هناك فرق بين الشعور بالذنب والشعور بالخزي؛ فالشعور بالخزي هو أن تقول لنفسك: أنا سيء. وهذا الشعور موجود في كيانك وفي حديثك الدائم عن نفسك، أمَّا الشعور بالذنب كأن تقول لنفسك: لقد فعلت شيئا سيئًا.
كيف تكون كاملًا؟
إن أردت أن تكون كاملًا أولًا عليكَ التخلص من التطلّعات والمعايير العالية؛ ومعرفة حدود الفرد الشخصيَّة، ومعرفة ماهيَّة إمكانياتنا ومكامن قصورنا ومحاولة قبولها والاعتراف بها، فهي أولى مراحل الوعي والإدراك، فكلنا يريد السعي وكلنا يمتلك من الطموحات والآمال الكثير ويسعى إلى تحقيقها؛ فحاول قدر المستطاع أن تصل إلى درجة إتقانك أنت؛ أي عبر مراعاة حدودك البشريَّة، وقبولها والرضى بها، وليس القصد من السعي هو السعي المتواصل للوصول إلى درجات عالية من الدِّقة والإتقان لأنَّ هذا مستحيل جداً؛ وقد يكون مجهدًا لنا أيضًا وعلى الأغلب أن السعي نحو الكمال يترافق معه قلق واكتئاب أحيانًا، وقد يكون وجودهما عرضيا؛ أي أن يترافق مع التفكير الكمالي فينخفض هذا القلق والإكتئاب حينما تتخلَّى عن تفكيرك الكمالي في السّعي نحو طموحاتك وآمالك؛ أو حتى عبر سعيك اليومي في تعاملاتك اليوميَّة سواء في عملك أو علاقاتك وغير ذلك؛ فحاول قدر المستطاع أن تفرِّق بين الصوت الحقيقي النابع من ذاتنا الحقيقية؛ وسعينا الصحّيّ نحو طموحاتنا وآمالنا وبين السعي الكمالي النابع من الصوت المُلِح الذي يريد السّعي منا باستمرار للوصول إلى المعايير العالية وإلى الدِّقة المتناهية؛ التي على الأغلب الآخرين متواجدون فيها ؛ فالوعي الحقيقي أوّل مراحل الإدراك؛ لذا سيتحول سعينا من خلال وعينا إلى سعي صحيّ نابع مِن استحقاقنا وذاتنا الحقيقية.
فأيّ قرار نتّخذه عن إدارك ووعي لن تحطّمنا نتائجه، بل ستكون النتائج مرضية لنا من كلّ المناحي الخارجيّة والداخليّة .
لذا تقول برينيه براون “ نمارس التعاطف مع ذواتنا ، حينما نصبح أكثر حباً وتعاطفاً مع أنفسنا ونبدأ بممارسة المرونة في مواجهة الخزي ، يمكننا أن نعتنق عدم اكتمالنا ، وفي عملية اعتناق إنسانيتنا سنجد أعظم نعمنا : الشجاعة والتعاطف والتواصل مع الآخرين “ .
عبدالله الحماد
alhamadam1
٢٠٢١/١٢/٣
تعليقات
إرسال تعليق