كي لا نصنع أزماتنا بأنفسنا
كي لا نصنع أزماتنا بأنفسنا
ماذا لو سألت أي شخص في عالمنا المعاصر عن أي معلومة سواء طبية أو نفسية أو الغذائية عن مدى الضرر الذي تحدثه بعض السلوكيات الغير نافعة للصحة من تناول السكريات أو المشروبات الغازية وغيرها الى أن تصل الى مسببات الجلطة أو المواد المسرطنة فالمعلومة أصبحت متوفّرة للجميع وذلك بسبب انتشار برامج التوعية في كلّ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة خاصّة تلك التي تبثّها مواقع التواصل الاجتماعي.
لا ينكر أحد نجاعة هذه الأساليب التوعوية ومدى تأثيرها الإيجابي على نمط حياتنا وسلوكنا المعيشي، كما أنّها ساهمت في نشر ثقافة الوقاية، فأصبح الكثيرين يدركون الطرق الصحّية الأنسب للوقاية من كثير من الأمراض الأمر الذي أدّى إلى تقليص رقعة الأمراض الشائعة وتحسين الصحّة العامة المجتمعيّة.
ما نلمسه اليوم وبكثرة انتشار التوعية المختصّة بالعلاقات الإنسانية، لكن هذا الانتشار لم تخدمه الأساليب ليحقق أهدافه المرجوّة؛ أي أن الأساليب المتّبعة تجيء بطريقة اختزالية تمنعنا من التطبيق السليم على أرض الواقع.
هذا الأمر أدى لحالة عامة من التوجّس، أصبحت النّاس لا ترغب بالمجاملات وتعتبرها نوعًا من أنواع الخداع، وأصبح كلّ فرد يسعى لأنّ يكون مركزًا قائما بحدّ ذاته للعلاقات الإنسانية كي يضمّن حصّته في التطور الذاتي.
أو من خلال التحدث عن القلق والاكتئاب والتوتر والخوف والحزن هذه المشاعر إنسانيّة التي يكثر الحديث عنها بوصفها عامل هدم للنفس ولكن ألا تتفقون معي أن النفس البشريّة السويّة لابدّ أن تصاب بالحزن والخوف ..إلخ من هذه المشاعر؟ إنّها مشاعر طبيعية فلماذا نعمد إلى تكميمها.
هناك منطقة رماديّة في كلّ شأن من شؤون الحياة، من الخطأ أن نصنف هذه المنطقة بأنّها الحياد الأسوأ والمريض بل لماذا لا نعتبرها المنطقة الأكثر أمانًا وعقلانيّة والأقرب للسواء؟
يقول ’’الآن فرانسيس‘‘ (الطبيعة البشرية مستقرة ومرنة، فلم يكن وباء حقيقي للمرض إننا التعريف الفضفاض للمرض يصعب على الأشخاص اعتبار أنفسهم أسوياء لكن التسمية التشخيصية تبدلت من حالة المرونة فمشاكلنا التي اعتدنا عليها و تسامحنا معها كونها جزءاً من الحياة أصبحت تُشخص الآن وتُعامل على أنها أمراضاً)
أعتقد أنّ هذه الكثافة في التوعية صنعت في داخلنا هذا التوجّس من مشاعرنا ومن عواطفنا ، وأيضًا عدم احتمال مشاعر القلق أو التوتر أو حتى اضطراب النوم أحيانًا، فالذي كان مستساغاً ومقبولاً في السابق أصبحنا الآن لا نستطيع تحمّله، وقد نصاب بحالة هستيرية من السخط بسبب التوتر من تعرضّنا لهذا الكمّ الهائل من الأخبار والحوادث السلبية في العالم، ونطالب في ذات الوقت الناس أن لا يقلقوا وأن لا يتوتروا، إنّ أسلوب الحياة الحديث أصبح ضاغطًا نوعًا ما بسبب إيقاع الحياة الحديث المتّصف بالتسارع.
بالإضافة للتوجّس من مشاعرنا قمنا باللجوء لرافدٍ واحدٍ لحلِّ الكثير من الأزمات الوجودية ألا وهو العلم، لقد جعلناه هو المخلِّص لنا في كلّ مناحي حيانا، وزهِدنا في ثقافتنا وما تحمله من رؤى وصيغ واتجاهات لأفرادها، بالرغم من أنّ هذه الرؤى قد تشعرنا بالانتماء والاحتواء.
زهِدنا أيضًا في بعض الصيغ الدينيّة وحاولنا تجاهلها كوننا نعيش في عالم متحضّر ومتطوّر معتبرين أنّ هذه الرؤى قد عفى عليها الزمن، وبحكم أنّ الحياه تحمل في داخلها مسارات عدّة فليس من المعقول أن نحصر رؤيتنا للحياة في مسار واحد فقط.
علينا الاعتراف أن الأزمات الوجودية من الأفضل لنا التماهي معها ومحاولة تحمّل وقبول هذه المشقّة كشكلٍ من أشكال الوجود.
حاول أن تلقي نظرة على من هم حولك وإلى كافّة الناس كيف تماهوا مع مشاق هذه الحياة، فبعض المشاق في الحياة محاولة تنظيمها وإعادة صياغتها وإبرازها بصورة واضحة من غير إجابة شافية قد توقع الناس في أزمة أيضًا. إنَّ محاولة الدخول إلى بعض المناطق ومحاولة إبرازها فقط لكن قد لا تكون هناك إجابة حقيقية.
تكمن الأزمة وتكمن الإشكالية أحيانًا من الانتباه المبالغ فيه فهو يضع أعيننا على أشياء قد نكون غفلنا عنها على عكس السابق الذي كنا في تماهي معه ومع شقائه، هذا التماهي قد يكون في صالحنا ففيه محاولة للتصالح مع فكرة محدودية العقل البشري وأيضًا محدودية طاقتنا البشرية واحترام قدرتنا البشرية وترك الأمر لله سبحانه فهو المدبر وهو الخالق والمصرّف لهذا الكون.
حينما تريد فهمًا حقيقاً للحياة وصياغة وإضفاء معنى حقيقيًّا لها للحياة حاول قدر المستطاع أن تسعى لإيجاد مسارات عدة تنهل من خلالها رؤى وتوجهات تُعينك لفهم مغزى هذه الحياة كالدين مثلاً، إنّهُ يعتبر منهلاً عظيمًا، فالجوانب الإيمانية قد تساعدنا كثيراً لتحمل شقاء هذا الوجود والصبر على مشاق هذه الحياة وأيضا هذه الجوانب الإيمانية تعطينا فهمًا حقيقيًا وواضحًا لمعنى الوجود، أيضًا ثقافتنا وبيئتنا المحيطة قد تمدّنا بفهم للحياة من خلال الانتماء لهذه البيئة ومبادلة أفرادها الدعم والعطاء فهذا الشيء يساعدنا على تحمّل مشاق هذه الحياه ومشكلاتها من خلال الدعم المتبادل مع من نحب، سواء من عائلاتنا أو اصدقائنا والمجتمع المحلّي منا أيضا.
نحن نحتاج للعلم والمعرفة لرفع وعينا تجاه أنفسنا ولمعرفة ماهيّة دورنا الحقيقي في الحياة، إنَّ للقراءة في حياة من سبقونا خاصة الذين لهم باع طويل في الحكمة والمعرفة والعلم تساعد في ذلك.
المغزى من هذا كله حينما نتّخذ رافداً واحداً لننهل منه في محاولاتنا لفهم الحياة أو محاولة حل بعض مشكلاتها قد نُوقع أنفسنا في ازمه حقيقية وأيضا قد تكون بعض الجوانب الوجودية ليست لها إجابات شافية فمحاولة تنظيمها وإبرازها بصورة واضحة من دون إجابات حقيقية قد تكون هي الأزمة بعينها، فلماذا نصنع أزماتنا بأنفسنا؟
عبدالله
alhamadam1
٢٨ / ١١ / ١٤٤٣
تعليقات
إرسال تعليق