عن سؤال المعنى ؟

 عن سؤال المعنى ؟ 

يعيش الإنسان في هذه الحياة وتظل الإسئلة الوجودية المرتبطة بأصل الحياة ، وسؤال من أنا ؟ وما هو هذا الهدف من الحياة ، وإلى أين نحن ذاهبون حاضرة في ذهنه دائماً ، في جميع مراحل حياته ، وتبقى هذه الاسئلة ذات مشروعية عند الانسان القديم والانسان الحديث في جميع الأديان ، في جميع الحضارات كافة ، فمحاولة الإجابة عن هذه الاسئلة الكبرى التي لها علاقة بالحياة قد يعطينا شيء من الراحة والطمانينة ، فالإنسان يريد أن يكون هذا الوجود منظماً كي يستطيع التعايش معه والتفاعل معه . فتعتقد شارلوت بيهلر ( أن الإنسان في الغالب يعيش في القصدية ، ومعنى القصدية هو أن يعطي الإنسان للحياة معنى ، ويبدع فيها قيماً وأن الكائن الحي في تكوينه إتجاه فطري صوب الابداع والقيم ) .


حتى التعرض لمواقف مؤلمة في الحياة تحتاج لهذا المعنى والقصدية ، كي نظمر في داخلنا أننا نسير في اتجاه معروف في هذه الحياة ، وأن هذه الحياة تسير في خطة محكمة ، فنحن من ضمن هذا المخطط الكوني الكبير ، وأن هذه الاشياء والحوادث قد لا تطول معنا ، كوننا نستطيع تأويل وتحسين ما يحدث لنا من خلال هذا المعنى ، أو تأويله لذات أكبر منا ، أو غاية أسمى منّا ، فهذا الشيء يجعلنا نتحمل ثقل ما يصادفنا من هذه الحياة ، وقد نرى هذا الوجود وحتى هذه الحوادث المتسمه بالمرارة أحياناً بمنظور أوسع ومن زاوية أخرى ومنظور أشمل ، وقد تحسّن نظرتنا نحو الوجود . فالحديث عن سؤال المعنى من أكثر المواضيع أهميةً ، فالتعامل المجرد مع الحياة وحوادثها يُشعرنا بثقل هذا الوجود ، وثقل الحوادث التي قد تصادفنا ، فإحالة ما يصادفنا بالحياة لمعنى أعمق ، أو النظر اليها بصورة أشمل ، أو غاية أسمى وذات أكبر يجعلنا نتقبل هذه الأشياء والقدرة على التعامل معها ،  فالإنسان كائن متجاوز لذاته ، فإن الإنسان بطبعه لايستطيع التعامل مع الحياة وحوادثها بطريقة وظيفية بحتة ، فالوجود سيفقد حيويته في دواخنا إبتداءاً ، فالإسان يعيش خلال المعنى ابراهام ماسلو لديه مقولة بهذا الشأن ( أن الإنسان يعيش بالمثل ، ولكنه يحيا بالقيم والمعنى ) فحتى على مستوى العلاقات الإنسان لايستطيع الإنسان العيش في علاقاته من خلال الذهنية الوظيفية فقط ، فنحن بذلك نجرد العلاقات أسمى مالديها ألا وهي المعاني الكبرى والقيم الأصيلة ونفرغها من معنايها ، فنحن لا نتعامل مع أبائنا وأمهاتنا أو من يكبروننا بشروط تعاقدية إنما الذي يربطنا معهم تقديرهم وإكبارهم بالفضل وهو المعنى والغاية السامية التي تتجاوز فكرة التعاقدية والأداتية . 


فهذه المعاني تكبر معنا دائماً من خلال عواطفنا حتى على مستوى أسرنا أو الناس القريبين منّا ، فالروابط التي تربطنا بهم هي روابط معنوية هي قيم ومعاني وعواطف وهي من تخفف علينا ثقل هذا الوجود ، فالإنسان لايستطيع بأي حال من الأحوال تجريده من محتوياته النفسية ، فهذه المحتويات هي عواطفه ، وعواطفه هي التي تمده بالمعنى والقيم . إيريك فروم يعتقد ( أن العواطف غير الغرائز ، فالعواطف هي التي تجعل الحياة جديرة بالعيش ) فحتى عند الالم وفي هذه الأوقات تحديداً سؤال المعنى يكون حاضراً بقوة ، فإن كان الإنسان يتعامل مع الالم بنظرة مجردة فقد يطغى عليه شعور الألم ، ولربما يجعله هذا الشعور يفقد ثقته بنفسه ، أو قد يعتبر هذا الألم كنوع من الظلم عليه ، فلو لطف هذا الألم وأحاله لقضية المعنى لربما تغيرت نظرته للألم وللموقف المؤلم أيضاً ، فإحالة هذا الموقف لمعنى أكبر ، وأوسع ، وغاية أسمى لتغير مفهوم هذا الشخص عن الألم ، ومن الممكن تقبل وجود هذا الألم ، وتقبل أيضاً رفع هذا الألم عن نفسه . فالإنسان لايستطيع التعامل مع الأشياء والأماكن بشيئ من التجريد ، إنما يولي هذه الإشياء مكانة خاصة في نفسه ، فتجد هذا الانسان لا ينفك عن زيارة الأماكن العتيقة ، وممارسة الشعائر والطقوس الدينيه ، وحتى على مستوى الثقافة والفنون والحكايات الشعبية ، وحتى الأيام الدينية وفي الأعياد والأيام الوطنيه ، فهي تخترق وجدانه ومحتوياتها النفسية ، ويشعر أيضاً بالإنتماء والشعور بالقدم لهذه الأماكن وهذه الأيام ، فهذا الانتماء يعزز عنده الإنتماء لمفهوم وغاية أكبر من ذاتية هذا الانسان . 


ومن المعلوم أن سؤال المعنى هو سؤال شخصي والإجابة عنه تتطلب الإجابة عليه من خلال تجربتك الوجودية الخاصة ، فكوننا نعيش في ظروف مختلفة ورؤى مختلفة ، فلكل فرد في هذه الحياة مهمته الفريدة في هذه الحياة ، فشرط تحققها من خلال الوجود للإجابة عن سؤال هذا المعنى ، وهذه الإجابة قد لانستطيع جزمها فوراً ، ولسنا مطالبين بذلك . إنما كل نجاح وكل فشل وكل إخفاق وكل خطأ وكل صواب هو إجابة ، أو إضافة لسؤال المعنى ؛ لأننا عندها ندرك أن هذا الشيئ مناسب لنا أو غير مناسب لنا ، وكما يقول كارل يونغ ( أن الأمل والبصيرة هي إنجازات للجهد البشري التي هي من هبات النعمة الكثيرة جداً ، فنحن لانعلمها ، ولانتعلمها ، ولانعطيها ، ولانأخذها ؛ لأنها تأتي من خلال التجربة ، وهي شئ مُعطى ، ولذلك هي لاتقع في متناول النزوة البشرية ، فالتجارب لاتُصنع بل تحدث معنا ) . 


فالإنسان لايستطيع السير في مناكب هذه الحياة بالإعتماد على ذاته فقط أو على قوته الظاهرة . قرأت مرة عبارة نفيسة لريتشارد نورمان يقول فيها “ أن المستمسك إضطراراً بالإفتراض أن بني الإنسان يمكنهم نحت المعنىٰ لحياتهم بالإتكال على قوة إرادتهم والتمركز حول ذواتهم ، ومواردهم البشرية المحدودة ، وهي أن كليهما محكوم عليه بالإخفاق والحرمان من البصائر التي يمكن إحرازها من قبولنا بالضعف “ بل أننا نحتاج الآخر ، ونحتاج إحالة مايمر بنا ووجودنا بالكامل لغاية ومعنى أسمى يتجاوز ذواتنا ويتجاوز وجودنا ، أو تفويض كل مانفعله أو نتمناها ونرجوه في هذه الحياة إلى ذات أكبر منّا وهو الرب سبحانه تبارك وتعالى . فكوننا ذوات متجاوزة لذاوتها ومتسامية عليها أيضاً ، فنحن بهذه الإحالة نستطيع التعامل والقرب من الإجابة عن سؤال المعنى ؟ 


عبدالله الحماد 

‏alhamadam1

١٩ / ٣ / ٢٠٢٣

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفسير اللاشعور من منظور إنساني

العاطفة والمعنى

الألم والمعنى